لطالما ارتبط قطاع البناء والتشييد في الأذهان بكونه جزءاً من أزمة المناخ لا حلاً لها، والأرقام تُؤكد ذلك. فوفقاً للمجلس العالمي للأبنية الخضراء، تتحمل البيئة المبنية مسؤولية 42% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة السنوية على مستوى العالم، تُسهم عمليات تشغيل المباني بـ 27% منها، فيما يستأثر الكربون المتجسّد الناجم عن مواد البناء وعمليات التشييد بالنسبة المتبقية البالغة 15%. وإن لم تُتخذ إجراءات جادة وفعّالة، فإن البصمة الكربونية للقطاع مرشحة للتضاعف على المستوى العالمي بحلول عام 2050.
غير أن للقصة وجهاً آخر. فقلّة من القطاعات تحمل من إمكانات التأثير البيئي التحويلي ما يحمله هذا القطاع. وفي المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بدأت تلك الإمكانات تتحول إلى زخم حقيقي وملموس في السوق.
حصة صغيرة في تصاعد مستمر
اليوم تستأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم بـ 4% فحسب من سوق المباني الخضراء العالمي. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه النسبة مؤشراً على تبنٍّ متأخر وخطوات متثاقلة. لكن التأمل الأعمق يكشف عن مشهد مغاير تماماً؛ سوق في طور التسارع المبكر، يمتلك من المقومات ما يُهيئه لنمو استثنائي خلال العقد المقبل.تستأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم بـ 4% فحسب من سوق المباني الخضراء العالمي. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه النسبة مؤشراً على تبنٍّ متأخر وخطوات متثاقلة. لكن التأمل الأعمق يكشف عن مشهد مغاير تماماً؛ سوق في طور التسارع المبكر، يمتلك من المقومات ما يُهيئه لنمو استثنائي خلال العقد المقبل.
في أرجاء المنطقة، تسعى المشاريع الجديدة للحصول على شهادات استدامة محلية ودولية معترف بها. وهذا التحول لا تقوده لائحة تنظيمية واحدة أو توجيه سياساتي بعينه، بل يتشكّل بتقاطع عوامل عديدة منها توقعات المستثمرين، وشروط التمويل، والتوجهات التنظيمية، وطلب حقيقي من المستأجرين والمستخدمين النهائيين الذين باتوا يطرحون أسئلة أكثر عمقاً عن المباني التي يشغلونها.
منطقة الخليج تقود المنطقة
تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي الرائدة الأبرز على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأوسع. ومن المتوقع أن ينمو سوق البناء المستدام في المنطقة بمعدل نمو سنوي مركّب يصل إلى 12%، تتقدّم المشهدَ فيه كلٌّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ويُرتقب أن يتوسّع سوق دول مجلس التعاون الخليجي من 40 مليار دولار أمريكي في عام 2025 إلى 67 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.
تستحوذ المملكة العربية السعودية على الحصة الأكبر بنسبة 35% من سوق المباني المستدامة في مجلس التعاون الخليجي، تليها الإمارات العربية المتحدة بنسبة 30%، ثم قطر بنسبة 20%، فيما تتوزع النسبة المتبقية البالغة 15% على سائر دول الخليج.

بالأرقام: سوق المباني المستدامة في السعودية
شهد سوق المباني الخضراء في المملكة العربية السعودية زخماً لافتاً في السنوات الأخيرة، وتكشف بيانات الربع الأول من عام 2025 مدى سرعة هذا التحول. إذ ارتفع عدد المشاريع المسجّلة في برامج المباني المستدامة بنسبة 64% في ذلك الربع وحده، وهو ما يعكس تسارعاً حقيقياً وملموساً في تبنّي مفهوم البناء الأخضر.. Projects registering for sustainable building programs grew by 64% in that quarter alone, reflecting a genuine acceleration in green building adoption.
المسار العام للسوق لا يقلّ أهميةً؛ إذ تشير التوقعات إلى تحقيق نمو سنوي بنسبة 11%، مع ترقّب وصول قيمة سوق المباني الخضراء في المملكة إلى 35.31 مليار دولار بحلول عام 2032. ومن بين نحو 5,000 مشروع بناء مستدام معتمد في الدول العربية، تحتضن المملكة العربية السعودية وحدها 2,000 مشروع منها.
لماذا تبدو الجدوى الاقتصادية أقوى من أي وقت مضى؟
بالنسبة لمطوري العقارات وشركات البناء، باتت الاستدامة اليوم ميزة تنافسية حقيقية لا تُضاهى.
تُتيح المشاريع الحاصلة على الشهادات الخضراء الوصولَ إلى التمويل المرتبط بالاستدامة من البنوك الإقليمية، مما يُعزّز قابلية التمويل بصورة لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة مضت. وفضلاً عن التمويل، تحقق العقارات المعتمدة باستمرار علاوات سعرية وسرعة أعلى في البيع مقارنةً بالمباني التقليدية. وعلى المستوى العالمي، يقبل المستأجرون في المتوسط دفع علاوة إيجارية بنسبة 10% مقابل المباني التي توفّر جودة هواء عالية، وعناصر تصميم بيوفيلي، وجاهزية لتحقيق الحياد الكربوني. ومع استمرار تجاوز الطلب على مساحات المكاتب منخفضة الكربون للعرض المتاح — إذ يُتوقع أن يواجه العالم عجزاً بنسبة 70% بحلول عام 2030 — فإن الميزة التنافسية للمبادرين الأوائل لن تزيد إلا رسوخاً.
على الصعيد التشغيلي، تُسهم الأنظمة الموفّرة للطاقة في خفض مباشر لتكاليف التشغيل، فيما تُقلّص البنية التحتية الموفّرة للمياه فواتير المرافق على امتداد دورة حياة المبنى كاملة. وهذه ليست وفورات هامشية عابرة، بل هي مكاسب تتراكم وتتضاعف على مدى عقود لتُفضي إلى تحسينات جوهرية في تقييم الأصول والربحية على المدى البعيد.
ثم تأتي الأبعاد التنظيمية لتُضاف إلى المعادلة. فالإفصاح الإلزامي عن معايير الاستدامة يشق طريقه نحو التطبيق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وللشركات التي تؤخر المبادرة، فإن الثمن سيكون باهظاً: تكاليف إعادة تأهيل مرتفعة، وثغرات في الامتثال، وخطر الاستبعاد من المشاريع الحكومية الكبرى المرتبطة برؤية 2030 وما يماثلها من الأطر الوطنية الطموحة في المنطقة.
التحديات هنا..لكن يمكن إدارتها
لا يعني ذلك أن الطريق خالٍ من التحديات؛ إذ لا تزال المتطلبات رأس المال المرتفعة في مقدمة العقبات الأكثر تكراراً أمام تبنّي البناء المستدام. وبالنسبة لكثير من فرق التطوير، يظل تحقيق التوازن بين فترات الاسترداد الطويلة للتقنيات المستدامة وضغوط الأداء المالي قصير الأجل تحدياً قائماً.
وتبقى فجوات القدرات التقنية حاضرة كذلك. فكثير من فرق البناء والعقارات تبني معرفتها بالاستدامة من الصفر، وردم الفجوات المعرفية بين الهندسة والمالية والمشتريات والعمليات يستلزم وقتاً واستثماراً حقيقياً.
ما الذي يعنيه هذا للمؤسسات العاملة في المنطقة
لم يعد سوق المباني المستدامة في المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجرد فرصة تلوح في الأفق، بل أصبح واقعاً قائماً يعيد تشكيل قرارات المشتريات، ومحادثات التمويل، واستراتيجيات التموضع التنافسي الآن، وفي هذه اللحظة تحديداً.
ستجد المؤسسات التي تبني قدراتها على التعامل مع متطلبات الاعتماد، وإدارة بيانات الاستدامة، ودمج ممارسات البناء المستدام ضمن آليات تنفيذ مشاريعها، نفسها في موقع متقدم على منحنى يتسارع باستمرار. أما الجهات التي تنظر إلى الاستدامة باعتبارها مجرد متطلب امتثال أو بند يُعالج عند الضرورة فقط، فستجد أن تكلفة اللحاق بالركب تصبح أكثر ارتفاعاً مع مرور الوقت.
نسبة الـ 4% التي تحتلها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من السوق العالمي اليوم ليست سوى نقطة انطلاق.
تدعم ايكوركس المؤسسات في أرجاء المنطقة في مسيرتها نحو البناء المستدام، من تقييم الامتثال ودعم الحصول على الشهادات، إلى إدارة استدامة البناء وبناء القدرات.



اترك تعليقاً