مع تسارع وتيرة العمل المناخي العالمي وتشديد الأطر التنظيمية، غدا فهم أسواق الكربون ضرورة لا غنى عنها للشركات العاملة في اقتصاد اليوم. سواء كنت تتنقل في متطلبات الامتثال الإلزامي أو تستكشف فرص تعويضات الكربون الطوعية، تؤدي أسواق الكربون دوراً محورياً بوصفها آليةً فاعلة لتحقيق الأهداف المناخية مع الحفاظ على زخم النمو الاقتصادي. في هذا المقال، يشرح خبراء ايكوركس أساسيات الامتثال لأسواق الكربون، من المفاهيم الجوهرية إلى الاستراتيجيات التطبيقية. وللاطلاع على رؤى حول الأسواق العالمية المحددة ومستجدات أسواق الكربون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، راجع مقالنا المرافق: وللاطلاع على المزيد حول أسواق الكربون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، راجع مقالنا المرافق.
ما هو سوق الكربون؟
سوق الكربون هو سوق مالي متخصص ومنظومة تداول يجري فيها شراء ائتمانات الكربون أو بدلاتها وبيعها. يمثّل كل ائتمان في الغالب طناً متريكاً واحداً من ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، أو ما يعادله من غازات الدفيئة الأخرى (GHGs) التي جرى خفضها أو إزالتها أو تجنّبها.
يمثّل كل ائتمان في الغالب طناً مترياً واحداً من ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، أو ما يعادله من غازات الدفيئة الأخرى (GHGs) التي جرى خفضها أو إزالتها أو تجنّبها.

كيف يعمل سوق الكربون؟
تعمل أسواق الكربون من خلال تحديد سعر لانبعاثات الكربون، مما يُوجد حوافز مالية تدفع الشركات نحو تقليص بصمتها من الغازات الدفيئة.
الشركات التي تخفض انبعاثاتها دون الحدود المخصصة لها يمكنها بيع البدلات الفائضة، في حين تضطر تلك التي تتجاوز حدودها إلى شراء ائتمانات إضافية.
مثال:
مصنع صلب ألماني خاضع لنظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي (EU ETS) ينجح في خفض انبعاثاته بمقدار 10,000 طن دون سقفه المخصص، وذلك عبر تحسينات في الكفاءة التشغيلية. يستطيع حينئذٍ بيع هذه البدلات الفائضة لشركة أخرى تجاوزت حدودها المقررة، محوّلاً بذلك جهوده في خفض الانبعاثات إلى قيمة مالية ملموسة.
نشأة أسواق الكربون:
نشأ مفهوم تداول الكربون من بروتوكول كيوتو عام 1997، أول اتفاقية دولية تُرسي أهدافاً ملزمة قانونياً لخفض الانبعاثات في الدول المتقدمة.
وقد أرسى البروتوكول ثلاث آليات قائمة على السوق:
- تداول الانبعاثات الدولي (IET) : يُتيح للدول تبادل بدلات الانبعاثات
- آلية التنمية النظيفة (CDM): تُمكّن الدول المتقدمة من الاستثمار في مشاريع خفض الانبعاثات في الدول النامية
- التنفيذ المشترك (JI): يُيسّر مشاريع خفض الانبعاثات بين الدول المتقدمة
على الرغم من أن بروتوكول كيوتو أرسى الأسس الأولى، فإن أول نظام تشغيلي لتداول الكربون تمثّل في نظام تداول انبعاثات الاتحاد الأوروبي (EU ETS)، الذي انطلق عام 2005، ليصبح منذ ذلك الحين أكبر سوق للكربون في العالم، ويضمّ في منظومته دولاً متعددة.
أنواع أسواق الكربون: الإلزامية مقابل الطوعية
تعمل أسواق الكربون وفق إطارين متمايزين، يخدم كل منهما أغراضاً مختلفة ويخضع لهياكل تنظيمية مغايرة.
أسواق الكربون الإلزامية (الأسواق الإجبارية)
أسواق الكربون الإلزامية، المعروفة أيضاً بالأسواق الإجبارية أو المنظّمة، هي أسواق مُنشأة وخاضعة لأنظمة وطنية أو إقليمية أو دولية إلزامية لخفض الكربون.
الشركات العاملة في ظل هذه الأنظمة مُلزَمة قانونياً بتحقيق أهداف محددة لخفض الانبعاثات.
متى بدأت أسواق الكربون الإلزامية
- 2005: انطلاق نظام تداول انبعاثات الاتحاد الأوروبي (EU ETS) بوصفه أول سوق إلزامي رئيسي في العالم
- 2013: بدء تشغيل برنامج حدّ الانبعاثات والتداول في كاليفورنيا
- 2017: انطلاق البرامج التجريبية لنظام تداول الانبعاثات الوطني في الصين
- 2021: الإطلاق الرسمي لنظام تداول الانبعاثات الوطني الصيني، ليصبح أكبر سوق كربون في العالم من حيث نطاق التغطية
كيف تعمل أسواق الكربون الإلزامية
تعمل أسواق الكربون الإلزامية عادةً من خلال آليتين رئيسيتين:
نظام الحد الأقصى والتداول
في نظام الحد الأقصى والتداول، تحدد الحكومة سقفاً إجمالياً للانبعاثات في قطاعات بعينها، وتوزع البدلات على الجهات الخاضعة للنظام إما مجاناً أو عبر المزادات، إذ تُجيز كل بدلة إصدار طن واحد من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO₂e).
تلتزم الشركات بتسليم بدلات تعادل انبعاثاتها الفعلية سنوياً. ومع تراجع السقف تدريجياً بمرور الوقت لدفع عجلة خفض الانبعاثات، يحق للشركات تداول البدلات في السوق لاستيفاء التزامات الامتثال بصورة فعّالة.

أنظمة ضريبة الكربون:
آلية أخرى في أسواق الكربون الإلزامية تتمثل في نظام ضريبة الكربون، حيث تحدد الحكومة سعراً ثابتاً لكل طن من الانبعاثات، وتدفع الشركات ضريبة بناءً على إجمالي انبعاثاتها.
وعادةً ما تُوجَّه الإيرادات المتحققة لتمويل مبادرات المناخ أو تُعاد عبر استردادات ضريبية. وقد طبّقت دول كالسويد وفنلندا أنظمة ضريبة الكربون بنجاح ملحوظ.
أسواق الكربون الطوعية (VCM)
على خلاف أسواق الكربون الإلزامية التي تعمل تحت مظلة الجهات التنظيمية، تسير أسواق الكربون الطوعية وفق منطق مغاير، إذ تقوم المشاركة فيها على الاختيار الحر الكامل.
تختار الشركات والمنظمات والأفراد شراء ائتمانات الكربون لتعويض انبعاثاتهم تجاوزاً لأي متطلبات قانونية، مدفوعين بـ:
- أهداف الاستدامة المؤسسية
- توقعات أصحاب المصلحة
- المسؤولية الاجتماعية للشركات
- سمعة العلامة التجارية

كيف تعمل الأسواق الطوعية
يسير سوق الكربون الطوعي وفق آلية عمل واضحة المعالم:
مطوّرو المشاريع:يُنشئ مطوّرو المشاريع مبادرات لخفض الانبعاثات كتركيب منظومات الطاقة المتجددة وبرامج إعادة التشجير وأنظمة احتجاز الميثان. ويتقدمون بطلبات تسجيل مشاريعهم لدى سجلات الائتمانات، وقد يبيعون الائتمانات مباشرةً للمشترين أو عبر البورصات.
هيئات المعايير والتحقق: تضع هيئات المعايير كـ Verra وGold Standard المنهجيات والمعايير التي يتعين على المشاريع استيفاؤها. وتتولى جهات تحقق مستقلة تقييم خفض الانبعاثات المحقق فعلياً واعتماده، لضمان استيفاء الائتمانات للمعايير الدولية المعتمدة قبل إصدارها.
الممولون والمستثمرون:تُوفّر مؤسسات التمويل الإنمائي وصناديق المناخ والمستثمرون من القطاع الخاص رأس المال الأولي لمشاريع الكربون، في الغالب مقابل اتفاقيات مسبقة لشراء ائتمانات مستقبلية، تُعرف بـ اتفاقيات الشراء المسبق (Offtake Agreements).
السجلات: قواعد بيانات مركزية تتولى إصدار ائتمانات الكربون وتتبّعها وإيقافها عن التداول، لضمان الشفافية ومنع الاحتساب المزدوج. ومن أبرز السجلات العالمية: سجل VCS التابع لـ Verra وسجل Gold Standard.
المتداولون والبورصات: منصات تداول ووسطاء يُتاح من خلالهم شراء ائتمانات الكربون وبيعها
المشترون النهائيون: الشركات والمنظمات التي تشتري ائتمانات الكربون للوفاء بالتزاماتها المناخية الطوعية أو الإلزامية
التعويض الخارجي: حين تشتري الشركة ائتمانات للتعويض عن انبعاثاتها، تُوقف تلك الائتمانات نهائياً عن التداول في السجل، مما يضمن عدم المطالبة بالمنفعة البيئية مرتين.
المقاصة الداخلية: بدلاً من شراء أرصدة الكربون من مصادر خارجية، تلجأ بعض الشركات إلى تمويل مشاريع خفض الانبعاثات داخل سلسلة قيمتها الخاصة، وتسوية الأرصدة الناتجة داخلياً دون اللجوء إلى السوق المفتوحة.

خلاصة:
أسواق الكربون الإلزامية إجبارية وتنظّمها الحكومات بأهداف ملزمة قانونياً، في حين تُتيح الأسواق الطوعية للشركات تعويض انبعاثاتها تجاوزاً للمتطلبات القانونية، سعياً لتحقيق أهداف الاستدامة وتلبيةً لتوقعات أصحاب المصلحة.

نظرة عامة على سوق الكربون العالمي
بلغت قيمة السوق 27 مليار دولار في عام 2023، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 79 مليار دولار بحلول عام 2028، بمعدل نمو سنوي مركّب (CAGR) قوي يبلغ 23.8%. ويُعزى هذا التوسّع إلى:
- تصاعد الأوامر التنظيمية
- التزامات الشركات بتحقيق الحياد الصفري
- تكاثر آليات تسعير الكربون على المستوى العالمي
يهيمن سوق الكربون الإلزامي اليوم على تداولات الكربون العالمية، إذ يستأثر نظام تداول الانبعاثات الأوروبي (EU ETS) وحده بما يقارب 87% من القيمة السوقية الإجمالية، فيما تتسارع وتيرة توسع الأسواق الطوعية لمواكبة الطموحات المناخية المؤسسية المتنامية.
أبرز أسواق الكربون في تشكيل السياسات العالمية
يُساعد فهم أبرز أسواق الكربون في العالم الشركاتِ على استشراف مسار تطور متطلبات الامتثال.
نظام تداول انبعاثات الاتحاد الأوروبي (EU ETS)
يبقى نظام EU ETS أقدم أسواق الكربون في العالم وأعلاها قيمةً، إذ يغطي نحو 40% من انبعاثات الاتحاد الأوروبي عبر قطاعات الطاقة والطيران والصناعة الثقيلة. ويعمل النظام وفق آلية الحد الأقصى والتداول، حيث تُوزَّع البدلات من خلال المزادات.
ومن المتوقع أن يتسع نطاق تأثيره أكثر مع دخول آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) مرحلة التطبيق الكامل في 2026.
نظام تداول الانبعاثات الصيني
أُطلق رسمياً على المستوى الوطني عام 2021، وبات اليوم أكبر أسواق الكربون في العالم من حيث تغطية الانبعاثات، متجاوزاً 4.5 مليار طن سنوياً. وبعد أن انطلق مركّزاً على قطاع الطاقة، توسّع النظام في 2025 ليشمل قطاعات صناعية كبرى كالصلب والإسمنت والألومنيوم والكيماويات.
الأسواق الإقليمية الأمريكية
في غياب سوق كربون فيدرالي موحّد، تعمل الولايات المتحدة من خلال أنظمة إقليمية متعددة
- مبادرة غازات الاحتباس الحراري الإقليمية (RGGI) التي تغطي توليد الطاقة في شمال شرق البلاد
- برنامج حد الانبعاثات والتداول في كاليفورنيا، المرتبط بمقاطعة كيبيك الكندية
- برنامج الحد والاستثمار في ولاية واشنطن، الذي أُطلق عام 2023
وقد أسهمت هذه البرامج مجتمعةً في خفض ملايين الأطنان من الانبعاثات مع توليد استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة.
نظام تداول الانبعاثات البريطاني (UK ETS)
أُطلق عام 2021 في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويحاكي في معظمه النظام الأوروبي، غير أنه يسير وفق مسار أكثر طموحاً لخفض الانبعاثات توافقاً مع هدف المملكة المتحدة للحياد الكربوني.
نظام تداول الانبعاثات الكوري
يعمل منذ 2015، وتحتل كوريا الجنوبية بموجبه المرتبة الثالثة عالمياً في أسواق الكربون الإلزامية، إذ يغطي نحو 70% من الانبعاثات الوطنية عبر القطاعات الصناعية الكبرى.
نظام تداول الانبعاثات النيوزيلندي
نشط منذ 2008، ويتميز هذا النظام بدمج قطاع الغابات ضمن أسواق الامتثال، مما يُتيح لأصحاب الأراضي كسب ائتمانات من مشاريع التشجير والغابات الدائمة.

ماذا عن أسواق ائتمانات الكربون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
على الرغم من أنها لا تزال أقل نضجاً مقارنةً بالأسواق العالمية، تسير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بخطى ثابتة نحو بناء البنية التحتية اللازمة لدعم أسواق الكربون، في إطار مسيرتها نحو اقتصاد منخفض الكربون. وتنسجم هذه الجهود مع الالتزامات المناخية الإقليمية وأهداف الحياد الكربوني بعيدة المدى.
وفي السنوات الأخيرة، برزت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة محرّكَين رئيسيَّين لهذا التطور. وجاء منعطف بارز خلال أسبوع المناخ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2023 في الرياض، حين أُعلن عن آلية اعتماد الغازات الدفيئة وتعويضاتها (GCOM). وقد صُمِّمت هذه الآلية بوصفها منظومة وطنية طوعية قائمة على المشاريع لاعتماد ائتمانات الكربون وتسجيلها، تُتيح للجهات العامة والخاصة على حدٍّ سواء، بما فيها الشركات التابعة للمؤسسات الأجنبية، تطوير ائتمانات الكربون وتداولها عبر مختلف القطاعات. وتدعم هذه المبادرة مسار المملكة نحو الحياد الكربوني بحلول 2060، وتُسهم في تحقيق أهداف مبادرة السعودية الخضراء.
وإلى جانب تطوير السجلات، تعمل المنطقة على بناء منصات لتداول ائتمانات الكربون. إذ تُشغّل شركة السوق الطوعي للكربون في المملكة العربية السعودية منصةً لمزايدة ائتمانات الكربون وتداولها على المستوى الإقليمي. وفي الوقت ذاته، وسّعت بورصات عالمية كـ AirCarbon Exchange نطاق عملها في الإمارات عبر شراكات إقليمية لتيسير تداول ائتمانات الكربون رقمياً.
تُشكّل هذه السجلات والبورصات الناشئة مجتمعةً البنية التحتية التأسيسية اللازمة لربط مطوّري مشاريع الكربون بالمشترين المؤسسيين والمستثمرين في أرجاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
متطلبات الامتثال لأسواق الكربون
لم يعد فهم أسواق الكربون، إلزاميةً كانت أم طوعية، خياراً اختيارياً للشركات ذات الرؤية الاستشرافية.
مع تشديد الأطر التنظيمية عالمياً وتصاعد توقعات أصحاب المصلحة، تتحول الكفاءة في أسواق الكربون إلى ميزة تنافسية حقيقية.
الإجراءات الجوهرية للشركات:
- تحديد خط الأساس للانبعاثات وفهم بصمتك الكربونية
- متابعة مستمرة للتطورات التنظيمية الإقليمية المتسارعة
- استكشاف فرص ائتمانات الكربون المتاحة من تحسينات الكفاءة وتبنّي الطاقة النظيفة
- الاستعداد للآلية الحدودية لضبط الكربون (CBAM) وسائر التدابير الكربونية المرتبطة بالتجارة
- الانخراط في أطر أسواق الكربون الإقليمية الناشئة
- بناء القدرات الداخلية في مجال محاسبة الكربون وإدارته
مع تطوّر البنية التحتية لأسواق الكربون على المستوى العالمي، سيكون المبادرون الأوائل في وضع أفضل للاستفادة من الفرص المتاحة، مع الوفاء بالتزامات الامتثال بكفاءة عالية.
كيف تدعمك ايكوركس في هذا المسار؟
في ايكروكس، نتخصّص في تمكين المؤسسات من الإبحار بثقة في عالم أسواق الكربون ومتطلبات الامتثال.
تشمل حلولنا:
- تقييم البصمة الكربونية وتحديد خطوط الأساس
- تطوير استراتيجيات إدارة الانبعاثات
- الامتثال للآلية الحدودية لضبط الكربون (CBAM) وتقييم الجاهزية
- تطوير مشاريع الائتمانات الكربونية
- تطوير مشاريع ائتمانات الكربون ودعم عمليات التحقق
- إعداد تقارير الاستدامة وفق المعايير الدولية
قد يبدو مشهد أسواق الكربون معقّدًا، لكنك لست مضطرًا إلى خوضه بمفردك. تمتلك إيكوريكس خبرة راسخة في الامتثال الكربوني، وإعداد تقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG)، ووضع استراتيجيات الاستدامة، وقد صُمِّمت خدماتها خصيصًا لتلبية متطلبات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تواصلوا معنا اليوم لتعرفوا كيف يمكننا دعم مسيرتكم في أسواق الكربون.



اترك تعليقاً