أبرز التوجهات لما هو قادم
مع تسارع خطى المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو تحقيق أهداف رؤية 2030 والالتزامات المناخية الطموحة، باتت الاستدامة المعيار الجديد لممارسة الأعمال. تواجه الشركات اليوم تصاعداً ملحوظاً في متطلبات الإفصاح عن معايير الاستدامة ، وتدقيقاً متزايداً من المستثمرين، وضغوطاً تنظيمية متنامية ستُعيد رسم ملامح المشهد التنافسي خلال عام 2026.
سواء كنت شركة سعودية تسعى للتكيّف مع متطلبات الإفصاح الجديدة، أو مصدّراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستعد للامتثال للآلية الحدودية لضبط الكربون CBAM، أو مؤسسة إقليمية تعمل على التوافق مع معايير ISSB؛ فإن الإلمام بهذه الأولويات السبع بات ضرورة لا غنى عنها للبقاء في طليعة المشهد.
في هذا المقال، يستعرض خبراء ايكوركس سبعة أولويات واتجاهات محورية ستؤدي دوراً رئيسياً في إعادة تشكيل طريقة عمل المؤسسات خلال العام 2026 والسنوات المقبلة.
الاهتمام المتزايد بتمويل التحول المستدام
يندرج تمويل التحوّل تحت مظلة التمويل المستدام، إذ يُمكّن القطاعات كثيفة الانبعاثات أو "العسيرة الخفض" من الانتقال نحو مسارات أقل كربونًا. وخلافًا للتمويل الأخضر الذي يدعم مشاريع مستدامة بطبيعتها، يتولّى تمويل التحوّل تغذية عمليات التحوّل في الصناعات القائمة كثيفة الكربون، بما يتوافق مع الأهداف المناخية.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية (IEA)، قد يدعم تمويل التحوّل خلال العقد المقبل استثمارات تراكمية تتراوح بين 4 و5 تريليونات دولار (أي ما بين 400 و500 مليار دولار سنويًا)، يتدفّق أكثر من نصفها نحو الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. وتتصدّر المجالات المستهدفة: كفاءة الطاقة، وتقنيات الانبعاثات المنخفضة، والبنى التحتية الاستراتيجية كمحطات توليد الغاز والمعادن الحيوية.
ومع تطوّر منظومة التمويل الأخضر، يغدو تمويل التحوّل أداةً محوريةً لإزالة الكربون من القطاعات الصناعية، مع قيادة نمو شامل ومتوافق مع المناخ.
الشفافية في سلاسل التوريد... ليست خياراً
لم يعد قياس أداء شركتك في مجال الاستدامة محصوراً في عملياتها الداخلية وحدها. سلسلة القيمة بأكملها باتت تحت مجهر المساءلة، وأصحاب المصلحة يطرحون أسئلة صعبة حول كل حلقة منها.
كانت الشفافية يوماً ما اختياراً؛ أما اليوم فهي تمسّ الجمارك والتمويل والعقود على حدٍّ سواء. كل حلقة في سلسلة التوريد تخضع للرقابة: المنظِّمون والمستثمرون والعملاء يطالبون بممارسات موثَّقة وأخلاقية ومستدامة.
على الصعيد العالمي، تُترجم هذه التحولات على شكل تشريعات ملزِمة. فمثلاً، دخل توجيه الاجتهاد الواجب في مجال الاستدامة للشركات (CSDDD) حيّز التنفيذ عام 2024، مع إلزام دول الاتحاد الأوروبي بدمجه في تشريعاتها الوطنية بحلول 26 يوليو 2026، وتطبيق الالتزامات بصورة تدريجية. يُرسي هذا التوجيه متطلبات العناية الواجبة البيئية وحقوق الإنسان على طول سلسلة القيمة بأكملها.
وحول منطقتنا، فهي لن تكون بمنأى عن هذه التحولات. مع التطبيق الكامل للآلية الحدودية لضبط الكربون (CBAM) اعتباراً من الأول من يناير 2026، تصبح الشفافية من ناحية الانبعاثات إلزامية لجميع المصدِّرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في قطاعات الألومنيوم والصلب والإسمنت والأسمدة.
الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية... ضرورة لا رفاهية في عالم الاستدامة
في عام 2026، سيشهد عالم الأعمال ولادة منظومة أداء متكاملة تتقاطع فيها مسارات الذكاء الاصطناعي والاستدامة وتتشابك؛ إذ لن يسير كلٌّ منهما في مساره المنفصل بعد اليوم، بل سيندمجان في محرك واحد يقود المؤسسات نحو المستقبل.
إذ انتقلت منصات وحلول الاستدامة الرقمية والمدعومة بالذكاء الاصطناعي من خانة "الجيد أن يُوجد" إلى ضرورة تشغيلية حتمية. إذ لم تعد العمليات اليدوية اليوم قادرة على تلبية متطلبات الاستدامة المتنامية. ومن المتوقع أن يشهد اعتماد هذه الأدوات نمواً سنوياً بنسبة 28.2% خلال الفترة 2025-2034، وهو ما يثبت أن الأمر ليس موجةً تقنية عابرة، بل استجابةً حقيقية لتعقيد بيانات الاستدامة وتشابك التشريعات وتصاعد مطالب المستثمرين.
تكمن أهمية هذه الحلول الرقمية في قدرتها على أتمتة جمع البيانات عبر كافة العمليات التشغيلية، مما يعزز الدقة ويُقلّص هامش الخطأ البشري إلى أدنى مستوياته. وتتجاوز قيمتها حدود الكفاءة التشغيلية لتمتد نحو التنبؤ بالمخاطر المناخية ومخاطر سلسلة التوريد قبل وقوعها، فضلاً عن تبسيط إعداد تقارير الامتثال التنظيمي وتخفيف العبء الذي تفرضه. والأهم من ذلك كله، أنها تمتلك القدرة على تحويل مجموعات البيانات الضخمة من أرقام مجردة إلى رؤى استراتيجية قابلة للتطبيق، تُمكّن المؤسسات من اتخاذ قرارات مدروسة بثقة وسرعة.
بتحويل منظومة الاستدامة من مؤشرات متأخرة تعكس ما مضى إلى ذكاء استباقي آني يرصد ما هو قادم، يُمكّن الذكاء الاصطناعي الشركات من استشراف المخاطر المناخية والتحولات التنظيمية والإشكاليات الاجتماعية قبل أن تلقي بظلالها على قيمة المؤسسة وثقة المستثمرين.
تصاعد حركات التدقيق العلني ضد الغسيل الأخضر
في عام 2023، ارتبطت واحدة من كل أربع حوادث مخاطر الاستدامة المناخية بالغسيل الأخضر، مقارنةً بواحدة من كل خمس في العام السابق. والتداعيات المالية ملموسة: إذ تُسجّل الشركات المتّهمة بالغسيل الأخضر انخفاضًا بمعدل 1.34% في ثقة المستهلكين.
فوفي العام ذاته، كانت حادثة واحدة من كل أربع حوادث مرتبطة ببيانات الاستدامة متصلة بالغسيل الأخضر، مقارنةً بحادثة من كل خمس في العام السابق. والتداعيات واضحة: الشركات المتهمة بالغسيل الأخضر تتكبّد انخفاضاً في ثقة المستهلك بنسبة 1.34%
باتت مطالب المستثمرين اليوم تتخطى حدود الأرقام المُعلنة نحو بيانات استدامة مُتحقَّق منها من جهات خارجية مستقلة، مما سيخلق نمواً متسارعاً في الطلب على خدمات المراجعة الخارجية، في ظل سباق محموم تخوضه الشركات للتحقق من صحة ادعاءاتها وإثبات مصداقيتها.
الإفصاح المرتبط بالطبيعة يتصدّر الأجندة
لم تعد الطبيعة والتنوع الحيوي مجرد هامش على أجندة الاستدامة. بات الحكومات والمستثمرون والمؤسسات الدولية يعترفون بهما صراحةً باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للبنية التحتية الاقتصادية.
تتطور أطر الإفصاح بوتيرة متسارعة. إذ يعمل مجلس معايير الاستدامة الدولية (ISSB) على صياغة متطلبات إفصاح مرتبطة بالطبيعة مستندةً إلى إطار مجموعة عمل الإفصاح المالي المتعلق بالطبيعة (TNFD)، مع توقع صدور مسودة عرض بحلول مؤتمر الأطراف COP17 لاتفاقية التنوع البيولوجي في أكتوبر 2026. وفي المقابل، يدخل معيار GRI للتنوع البيولوجي حيّز التطبيق في يناير 2026، مُلزِماً الشركات بالإفصاح عن التأثيرات على التنوع الحيوي عبر سلاسل قيمتها بأكملها.
ستواجه القطاعات المعتمدة مباشرةً على النظم البيئية كالزراعة والتعدين والتصنيع ضغوطاً متصاعدة لإثبات متانة منهجياتها في إدارة المخاطر المرتبطة بالطبيعة.
مع هذه التشريعات، تتحوّل محافظ المستثمرين نحو سندات التنوع الحيوي والحلول المستندة إلى الطبيعة ومبادلات الديون مقابل الطبيعة، لتُصبح الطبيعة ركيزة أساسية في التمويل المستدام
استراتيجيات التكيّف المناخي تتقدّم إلى دائرة الأولويات
مع تصاعد وتيرة الاضطرابات المناخية وتفاقم حدّتها، تُعيد الشركات حول العالم توازن استراتيجياتها، من التركيز المطوَّل على التخفيف وحده إلى المزج بين التخفيف والتكيّف الفوري.
سيظل التخفيف ضرورةً لا غنى عنها لكنه يعالج الأسباب لا التداعيات الآنية. أما التكيّف، فيواجه ما يجري فعلاً على أرض الواقع: الفيضانات والجفاف وموجات الحر والأحداث المناخية المتطرفة التي تُهدد الاستمرارية التشغيلية اليوم.
يتصدى التكيّف لما بات واقعاً فعلياً: من فيضانات وجفاف وموجات حر وأحداث مناخية متطرفة تُهدد العمليات التشغيلية اليوم قبل الغد.
وحول مفهومه فإن التكيّف المناخي يعني التكيّف الاستباقي للأنظمة والعمليات والبنية التحتية للحد من التعرض لمخاطر المناخ المادية قبل أن تتحول إلى أزمات.
بالنسبة للشركات، يعني التكيّف:
- رسم خريطة نقاط الضعف المناخية
- تحديث المنشآت وتأهيلها لمواجهة الظروف المناخية القصوى
- إعادة تصميم سلاسل التوريد عبر تنويع الموردين عبر المناطق المناخية المختلفة، وبناء طبقات من الاحتياطي قبل أن تتحول الاضطرابات إلى أزمات
الشركات التي تُدمج التكيّف في صميم استراتيجيتها اليوم هي التي ستضمن استمرارية عملياتها مع تصاعد حدة التقلبات المناخية
المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحت مجهر الاستدامة
بحلول عام 2026 وما بعده، ستواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة حول العالم دفعاً متصاعداً نحو الإفصاح عن معايير الاستدامة . فما كان يُمثّل ميزة تنافسية بالأمس، بات اليوم متطلباً أساسياً لا تنازل عنه.
ظلّ الإفصاح عن معايير الاستدامة تقليدياً حكراً على الشركات الكبرى، فيما تحركت المنشآت الصغيرة والمتوسطة خارج نطاق المتطلبات التنظيمية دون أي التزامات رسمية في مجال الاستدامة.
غير أن المشهد يتبدّل. إذ تجد هذه المنشآت حول العالم نفسها اليوم أمام ضغوط متنامية من البنوك والمستثمرين والعملاء الكبار الذين باتوا يُطالبون بالإفصاح عن بيانات الاستدامة . والفجوة القائمة مثيرة للقلق فعلا: فوفقاً لـ EcoVadis (2025)، لا تزال 72% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة حول العالم تعمل دون خطة لخفض الكربون، وهو ما يتحول سريعاً إلى ثغرة تنافسية حقيقية تُضيّق سُبل الوصول إلى رأس المال والشراكات الاستراتيجية..
لسد هذه الفجوة، تتشكّل أطر مُبسَّطة تُلبّي احتياجات هذه الشريحة. ومن أبرز هذه الأطر معيار الإفصاح الطوعي عن الاستدامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (VSME)، الذي أوصت به المفوضية الأوروبية رسمياً. ومن المتوقع أن يكتسب هذا المعيار زخماً واسعاً خلال عام 2026 مع بدء المؤسسات المالية والشركات الكبرى في طلب بيانات متوافقة معه. وعلى الرغم من أن أثره المباشر سيتجلى أولاً في أوروبا، إلا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسير على الدرب ذاته عن كثب. فمع توافق كبرى الشركات والمؤسسات المالية الإقليمية مع المعايير العالمية، ستجد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية والإمارات وغيرها من الأسواق نفسها قريباً أمام متطلبات إفصاح مماثلة.
في ايكوركس، نواصل التزامنا بدعم مسيرة المملكة نحو الاستدامة وتحقيق الحياد الصفري. وتنبثق مهمتنا من رؤية واضحة: تمكين المؤسسات من التميّز والريادة في مشهد تنافسي متجدّد. ومع إعادة هذه الأولويات رسمَ ملامح الأعمال في عام 2026، نحن هنا لنكون الشريك الذي يرافق شركات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كل خطوة من خطوات تحوّلها نحو معايير الاستدامة. اكتشف كيف يمكننا مساعدتك.



اترك تعليقاً