أصبحت الاستدامة اليوم عنصراً محورياً في استراتيجيات المؤسسات بمختلف قطاعاتها، ولم تعد مجرد مبادرات جانبية أو التزاماً اختيارياً. ومع تصاعد المتطلبات التنظيمية، وتزايد توقعات المستثمرين وأصحاب المصلحة، باتت الشركات بحاجة إلى قيادة متخصصة قادرة على توجيه جهود الاستدامة بفعالية.
لكن في المقابل، تواجه العديد من المؤسسات تحدياً حقيقياً يتمثل في عدم جاهزيتها لتوظيف مدير استدامة أو مسؤول تنفيذي للاستدامة (CSO) بدوام كامل، سواء بسبب محدودية الموارد أو عدم الحاجة إلى هذا الدور بشكل دائم في المراحل الأولى. ومن هنا برز نموذج جديد ومرن يُعرف بـ استشارات الاستدامة الجزئية.
ما المقصود بخدمات الاستدامة الجزئية؟
تشير خدمات الاستدامة الجزئية إلى خدمات استشارية وتقنية متخصصة تُقدَّم من قبل خبراء ذوي خبرة عالية في مجالات الاستدامة والاستدامة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) وذلك بنظام جزئي أو وفق مشاريع وعقود محددة.
ويهدف هذا النموذج إلى تزويد المؤسسات بخبرات عملية و بقيادة استراتيجية متخصصة في الاستدامة، دون التكاليف والالتزامات المرتبطة ببناء فريق استدامة داخلي أو توظيف مسؤول تنفيذي بدوام كامل.
ورغم أن مفهوم "القيادة الجزئية" ليس جديداً بالكامل، إذ تم تطبيقه سابقاً في قطاعات مثل الإدارة المالية والتقنية عبر أدوار مثل المدير المالي الجزئي أو المدير التقني الجزئي، إلا أن تبنّيه في قطاع الاستدامة يشهد نمواً متسارعاً، مدفوعاً بارتفاع متطلبات الإفصاح والاستدامة عالمياً وإقليمياً.
وتشير المؤشرات الحالية إلى تزايد اعتماد هذا النموذج من قبل المؤسسات بمختلف أحجامها ومستويات نضجها في رحلة الاستدامة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
فيما يلي خمسة أسباب رئيسية تدفع المؤسسات إلى تبني خدمات الاستدامة الجزئية.
1. الوصول إلى خبرات استدامة تنفيذية بتكلفة معقولة
من أبرز مزايا خدمات الاستدامة الجزئية أنها تتيح للمؤسسات الاستفادة من خبرات تنفيذية رفيعة المستوى في مجال الاستدامة، دون تحمّل الأعباء المالية الكاملة المرتبطة بتوظيف مسؤول استدامة دائم.
فعادةً ما يتطلب توظيف مسؤول تنفيذي للاستدامة رواتب مرتفعة، ومزايا وظيفية شاملة، والتزامات طويلة الأمد، وهو ما قد لا يكون مناسباً للمؤسسات الناشئة أو الشركات التي لا تزال في المراحل الأولى من بناء استراتيجيات الاستدامة لديها.
في المقابل، يوفر نموذج الاستدامة الجزئية نفس المستوى من الخبرة الاستراتيجية والمعرفة الفنية والشبكات المهنية، ولكن ضمن نطاق عمل مرن يتناسب مع احتياجات المؤسسة ومرحلتها الحالية، مما يمنح الشركات قيمة عالية بتكلفة أكثر مرونة وقابلية للإدارة.
وللمؤسسات التي تسعى إلى قيادة استدامة احترافية دون الحاجة إلى منصب تنفيذي دائم، يوفر هذا النموذج قيمة كبيرة مع مرونة مالية أكبر وكفاءة تشغيلية أعلى.
2. الحصول على خبرات متخصصة عند الحاجة
يتطلب بناء برامج استدامة فعّالة خبرات تقنية متقدمة تشمل:
- إعداد تقارير الاستدامة.
- إدارة انبعاثات الغازات الدفيئة.
- تقييم المخاطر المناخية.
- الامتثال التنظيمي.
- إشراك أصحاب المصلحة.
- التمويل المرتبط بالاستدامة.
- استدامة سلاسل التوريد.
وغالباً ما يصعب توفير هذه الكفاءات عبر فرق داخلية غير متخصصة أو من خلال توزيع مهام الاستدامة على إدارات أخرى.
توفر استشارات الاستدامة الجزئية وصولاً مباشراً إلى هذه الخبرات المتخصصة، بما يساعد المؤسسات على:
بناء استراتيجية استدامة متكاملة
تطوير خارطة طريق للاستدامة تتماشى مع الأطر والمعايير العالمية مثل معايير GRI وISSB، إضافة إلى المتطلبات التنظيمية المحلية والإقليمية.
تعزيز الجاهزية للإفصاح
ضمان توافق بيانات وتقارير الاستدامة مع متطلبات المستثمرين والجهات التنظيمية وشركاء الأعمال، مع الحفاظ على الدقة والموثوقية الفنية.
معالجة التحديات الجوهرية
تقديم استشارات متخصصة حول القضايا الأكثر تأثيراً على المؤسسة، مثل حساب الانبعاثات الكربونية، ومخاطر المناخ، واستدامة سلسلة التوريد، والتمويل المستدام.
3. المرونة وقابلية التوسع مع نمو المؤسسة
تختلف احتياجات الاستدامة من مؤسسة إلى أخرى، كما تتغير مع تطور الأعمال ونموها.
فالشركة الناشئة التي تبدأ رحلتها في الاستدامة تحتاج إلى متطلبات مختلفة تماماً عن مؤسسة تستعد لإصدار سندات مرتبطة بالاستدامة، أو شركة تخضع لتقييمات واستبيانات استدامة من عملاء عالميين.
وهنا تبرز أهمية نموذج الاستدامة الجزئية، الذي يتميز بمرونة عالية تتيح تعديل نطاق العمل والخدمات المقدمة وفق احتياجات المؤسسة المتغيرة.
ويُعد هذا النموذج مناسباً بشكل خاص لـ:
- الشركات الناشئة والمؤسسات في مراحل النمو.
- المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
- الشركات متعددة الجنسيات ذات الخدمات المحلية في منطقة الخليج.
- المؤسسات التي بدأت بالفعل برامج الاستدامة وتحتاج إلى مراجعة وتوجيه دوري من خبراء متخصصين.
4. بناء القدرات الداخلية ونقل المعرفة
من أبرز التحديات المرتبطة بالاستشاريين الخارجيين احتمال اعتماد المؤسسة بشكل كامل على الخبرات الخارجية دون تطوير كوادرها الداخلية.
لكن استشارات الاستدامة الجزئية الفعّالة لا تقتصر على تقديم الحلول فقط، بل تركز أيضاً على بناء القدرات الداخلية ونقل المعرفة بشكل مستدام.
ويشمل ذلك:
- تدريب الفرق الداخلية على إدارة بيانات الاستدامة.
- تطوير آليات إعداد تقارير الاستدامة.
- بناء هياكل حوكمة فعّالة.
- تمكين الموظفين من إدارة مشاريع الاستدامة مستقبلاً بكفاءة أكبر.
وبذلك يصبح الهدف الأساسي هو تعزيز الاستقلالية المؤسسية، وليس خلق تبعية طويلة الأمد للاستشاري الخارجي.
5. تقليل المخاطر وتعزيز الامتثال
يساعد نموذج الاستدامة الجزئية المؤسسات على تقليل المخاطر المرتبطة بإدارة ملفات الاستدامة دون خبرة كافية، سواء كانت مخاطر تنظيمية أو تشغيلية أو مرتبطة بالسمعة.
فإسناد مسؤوليات الاستدامة إلى جهات غير متخصصة قد يؤدي إلى ضعف جودة الإفصاح، أو أخطاء في إدارة البيانات، أو عدم الامتثال للمتطلبات التنظيمية المتزايدة.
أما وجود خبير استدامة متخصص - حتى بشكل جزئي - فيمنح المؤسسة قدرة أكبر على:
- إدارة متطلبات الاستدامة بكفاءة.
- تحسين جودة الإفصاحات والتقارير.
- تعزيز الثقة لدى المستثمرين وأصحاب المصلحة.
- تقليل المخاطر المرتبطة بالامتثال والحوكمة.
قيادة الاستدامة الجزئية: نموذج استراتيجي للمستقبل
يعكس نموذج استشارات الاستدامة الجزئية تحولاً مهماً في طريقة تعامل المؤسسات مع برامج الاستدامة.
فبدلاً من اعتبار الاستدامة مجرد التزام تنظيمي أو مسؤولية إضافية تُحمَّل للفرق الداخلية، بدأت الشركات تدرك أن بناء استراتيجية استدامة فعّالة يتطلب قيادة متخصصة وخبرة حقيقية.
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك بالضرورة الحاجة إلى توظيف مسؤول تنفيذي بدوام كامل منذ البداية.
بالنسبة للمؤسسات في مختلف مراحل رحلتها نحو الاستدامة، يوفر هذا النموذج حلاً عملياً ومرناً يوازن بين الكفاءة التشغيلية والتكلفة، مع دعم الجاهزية للإفصاح وتعزيز المصداقية أمام المستثمرين وأصحاب المصلحة.
وتبرز أهمية هذا النموذج بشكل أكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لا تزال العديد من الشركات في المراحل الأولى من تطوير استراتيجيات الاستدامة، وسط حاجة متزايدة إلى الخبرات المتخصصة والتوجيه الاستراتيجي والتنفيذ الفعّال.
و تلعب خدمات الاستدامة الجزئية دوراً هاماً يمكّنها من سد هذه الفجوة، من خلال تزويد المؤسسات بالخبرة والتوجيه والمرونة اللازمة للمضي قدمًا في مسيرتها نحو الاستدامة بوتيرة تتناسب مع مرحلة نموها الحالية.
كيف تساعدك ايكوركس؟
تقدّم ايكوركس خدمات استشارات الاستدامة الجزئية للمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لمساعدة الشركات على تطوير وتنفيذ استراتيجيات استدامة فعّالة تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية والمتطلبات التنظيمية الإقليمية. وتوفر نموذجا عمل مرنين إذ توفر ايكوركس نموذج فريق الاستدامة الجزئي لمختلف المستويات، مدير تنفيذي جزئي أو خبير استدامة جزئي أو مساعد استدامة جزئي، أما النموذج الآخر فيتمثل بتوفير مسؤول استدامة تنفيذي للتوجيه والإرشاد الاستراتيجي والمساعدة عند اتخاذ القرارات.
ويضم فريق ايكوركس خبراء متخصصين في:
- إعداد تقارير الاستدامة.
- إدارة انبعاثات الغازات الدفيئة.
- حوكمة الاستدامة المؤسسية.
- تطوير استراتيجيات الاستدامة
- الامتثال لمعايير الإفصاح والاستدامة.
سواء كانت مؤسستك في بداية رحلتها نحو الاستدامة أو تعمل على تطوير برامج أكثر تقدماً، تساعدك ايكوركس على بناء نهج استدامة عملي وفعّال يدعم أهداف أعمالك على المدى الطويل.



اترك تعليقاً